عبد الله الفاسي الفهري
292
الإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر
والجد والاجتهاد ، وتحصيل الفوائد حتى أنه كان كثيرا ما يجد نفسه سائرا في الطريق عن غير قصد لتعلق قلبه بمجالس العلم وحنينه إلى مكان « 1 » القراءة ، فانتفع في أقرب مدة ، وحصل في الزمن اليسير من العلم ما لم يحصله غيره في الزمن الكثير . ثم تأهل بفاس ، وبعد صيته في شاسع الآفاق ، وسارت بحمل حديثه الركبان والرفاق ، وتنافس في الأخذ والرواية عنه العلماء الكبار ، وأعمل الناس الرحلة إليه من بعيد الأقطار لما شاع وعلم من سرعة الانتفاع بعلمه ، وانتشار بركته ووفور اتساع عارضته في الفهم والحفظ والتحقيق ، في سائر الفنون ، مع ما ضم إلى ذلك من رشاقة العبارة وبلاغتها ، وإذلال عويص المسائل حتى يستوي في فهمه الذكي والغبي . وكانت له - رضي اللّه عنه - همة عالية في قيام الليل ، والدءوب على نشر العلم ، وقراءة القرآن في غالب أحيانه ، لا يكاد يفتر لسانه عن الذكر وتلاوة القرآن اناء الليل وأطراف « 2 » النهار ، وقد وقع الإطباق من مشايخ عصره على تبحره في علمي الباطن والظاهر وأنه الإمام في ذلك العصر الغابر ، لا ينكر ذلك إلا جاحد ، أو معاند حاسد خاسر « 3 » فلا يلتفت إليه . وكان - رحمه اللّه - شهير البركة ، رفيع الذكر ، معتنى به ، مصدقا بأمره ، للناس فيه اعتقاد عظيم ، وحسن طوية وود صحيح . ووصفه بعضهم « 4 » : بالشيخ الإمام الحبر الهمام ، شيخ الإسلام وبركة الأنام ، الذي قاد المعالي بزمام ، وحوى الفضائل والفواضل على التمام ، الواقف على حدود اللّه ، الناصح في دين اللّه ، الفاضل الأفضل ، السيد الأعدل ، ذو الأخلاق الكريمة ،
--> ( 1 ) في س : ما كان . ( 2 ) في س : أطرف . ( 3 ) بياض في م وس والتصويب من أسهل المقاصد ، 78 . والملاحظ أن ما أورده محمد الطيب الفاسي في فهرسته : أسهل المقاصد ، مطابق لما أورده المؤلف هنا في هذه الترجمة . ( 4 ) أورد هذا محمد بن عيشون الملقب بالشراط في مصنفه الروض العاطر الأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس ، لدى ترجمته لعبد القادر الفاسي صاحب الترجمة . ص : 301 .